ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

254

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

سورة يوسف عليه السلام فإنها قصة برأسها ، وهي مضمّنة شرح حاله مع إخوته من أول أمره إلى آخره ، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى ، وكذلك إلى آخرها ! ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت ، ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة . وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة ، وسأذكر هاهنا نبذة يسيرة منها . فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع ، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق ، فقلت : وكما أنّ هذه الأوصاف في شأنها بديعة ، فكذلك شوقي في شأنه بديع ، غير أنه لحرّه فصل مصيف وهذا فصل ربيع ، فأنا أملي أحاديثه العجيبة على النوى ، وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستفض حديث من قتله الهوى . ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا ، وأرسلته إليه من بلاد الروم ، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه ، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الشوق ، فقلت : ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ناجر ، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرّد به من لفح الهواجر ، ولفظ شدّته لم أجد ما يحققه فضلا عما يذهبه ، فإن النار المعدّة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه ، لكن وجدت نار أشواقي أشدّ حرا فاصطليت بجمرها التي لا تذكي بزناد ولا تئول إلى رماد ، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشدّ من حرّ الفؤاد ، غير أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة ، واستشفى من علة بعلة ، وأقتل ما أغلّك ما شفاك « 1 » فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق ، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن عليه بالأوراق .

--> ( 1 ) هذا عجز بيت لأبي الطيب المتنبي ، وصدره قوله : قد استشفيت من داء بداء وهذا بيت من قصيدة له يمدح فيها أبا شجاع عضد الدولة ، وأولها قوله : فدى لك من يقصّر عن مداكا * فلا ملك إذا إلا فداكا